القاضي عبد الجبار الهمذاني
56
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : فإذا جاز أن يحل فيه وفي غيره ، ولو حل في غيره لم يكن ليحل إلا بحدوثه ، لأنا قد أبطلنا قول من خالف ذلك ، فيجب أن يكون حالا فيه ، وأن لا يختص بأحدهما دون الآخر ، وإنما يصح التخيير في فعلين إذا تعذر التخيير في فعل واحد ، في إيقاعه على وجهين ، لأمر يرجع إلى المقاصد ؛ فأما أن يصح التخيير في حلوله في محلين ، فلا وجه ينفصل به إذا حلهما ، أو حل أحدهما ، فذلك محال . وهذه الجملة تبين أن تغاير المحلين يقتضي تغاير الفعلين ، فأما تغاير الوقتين فيما لا يبقى فإنما يقتضي تغاير الفعلين ، لأن الدلالة قد دلت على أن ما لا يبقى يستحيل وجوده إلا في وقت مخصوص ، فالموجود إذن في الوقت الثاني يجب أن يكون غيره ؛ وقد دللنا على ذلك في باب « إعادة الجوهر » . . . فأما تغاير الوقتين « 1 » في فعل القادر ، بقدرة ، فإنما يدل على تغاير الفعلين لأنه : قد ثبت أنه لا يجوز في مقدوره أن لا يختص في صحة الحدوث بوقت واحد ، فالحادث في الوقت الثاني من جهته يجب أن يكون غيره ، لا محالة . وقد دللنا على / ذلك عند الفصل بين ما يصح فيه الإعادة ، والتقديم ، والتأخير ، من مقدور القادر بنفسه وما لا يصح فيه ذلك من مقدورنا ، ولو كان باقيا ؛ فأما إذا كان تغاير الوقتين في الباقي من جهة القادر لذاته فذلك لا يدل على تغاير الفعلين ، لأنه قد يجوز أن يكون قد أفناه ثم أعاده بعينه ، في الوقت الآخر ، أو قدمه « 2 » وأخره ، على ما بيناه في موضعه . وإنما يدل على تغاير الفعلين حدوثها في وقتين متوالين ، لأن الفناء « 3 » لا يجوز أن يحلهما لاتصال الوجود ، ولأن الباقي لا يجوز أن يحدث حالا بعد حال ، فأما
--> ( 1 ) في « ص » : الفعلين . ( 2 ) في « ص » : وقدمه . ( 3 ) الكلمة في « ص » و « ط » مشتبهة الرسم ، وغير مهموزة ، كما هي عادة الناسخ في مثلها ؛ وما هنا ترجيح غير قوى .